محمد أبو زهرة
3473
زهرة التفاسير
كان كافيك من ذنبك استغفار رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم لك . فقال : فو اللّه ما زالوا يؤنبوننى حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي . قال : ثم قلت : هل لقى معي هذا أحد ؟ قالوا : نعم رجلان قالا مثل ما قلت وقيل لهما مثل ما قيل لك ، فقلت فمن هما ، قالوا : مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي ، فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة ، فمضيت حين ذكروهما لي قال : ونهى رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف ، فاجتنبنا الناس وتغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف ، فبلغنا على ذلك خمسين ليلة ، فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما ، وأما أنا فكنت أشد القوم وأجلدهم ، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين ، وأطوف بالأسواق ، فلا يكلمني أحد ، وآتى رسول اللّه ، وهو في مجلسه بعد الصلاة ، فأسلم وأقول في نفسي : أحرك شفتيه برد السلام عليّ أم لا ؟ ، ثم أصلى قريبا منه ، وأسارقه النظر ، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إليّ ، فإذا التفت نحوه أعرض عنى ، حتى إذا طال علىّ ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبى قتادة ، وهو ابن عمى وأحب الناس إلىّ ، فسلمت عليه ، فو اللّه ما رد عليّ السلام فقلت : يا أبا قتادة ، أنشدك اللّه ، هل تعلم أنى أحب اللّه ورسوله ؟ قال : فسكت ، فعدت له فنشدته فسكت ثم قال : اللّه ورسوله أعلم ، ففاضت عيناي من الدموع ، وتوليت حتى تسورت الحائط فبينما أمشى بسوق المدينة إذا أنا بنبطى « أي فلاح » ، من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة ويقول : من يدل على كعب بن مالك ، فطفق الناس يشيرون إلىّ ، حتى جاء فدفع إليّ كتابا من ملك غسان ، وكنت كاتبا فإذا فيه : ( أما بعد فقد بلغني أن صاحبك قد جافاك ، وإن اللّه لم يجعلك بدار هوان ، ولا مضيعة ، فالحق بنا نواسك ) .